الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

40

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

روى الترمذي ، عن أبي هريرة ، قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « اللهم انفعني بما علمتني ، وعلّمني ما ينفعني ، وزدني علما والحمد للّه على كل حال ، وأعوذ باللّه من حال أهل النار » « 1 » . وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية ، قال : اللهم زدني علما ويقينا . وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ ، أي وصّيناه أن لا يأكل من الشجرة ، مِنْ قَبْلُ ، أي من قبل أكله منها ، فَنَسِيَ عهدنا وأكل منها . وقرئ « فنسي » بالبناء للمجهول ، وبتشديد السين ، أي فنسّاه الشيطان . وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ( 115 ) . أي تصميما على الاحتياط في كيفية الاجتهاد . فهو إنما أخطأ في الاجتهاد ، أو لم نجد له عزما على الذنب فإنه أخطأ ولم يتعمّد ، وهذا أقرب إلى المدح ، ف « عزما » مفعول به ، و « له » حال منه ، أو متعلّق ب « نجد » ، أو ب « عزما » وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ، أي واذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه ، حتى يتبين نسيانه لك ، وفقدان صبره عما نهيناه عنه ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ، رئيسهم أَبى ( 116 ) ، أي أظهر الإباء ، فَقُلْنا عقب ذلك : يا آدَمُ إِنَّ هذا الذي تكبّر عليك ، عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ حواء ، لأن إبليس رأى آثار نعم اللّه تعالى ، في حق آدم عليه السلام ، فإنه كان شابا عالما وإبليس كان شيخا جاهلا فأثبت فضله بفضيلة أصله ، وهو النار . وبينها وبين أصل آدم وهو الماء ، والتراب ، عداوة فثبتت تلك العداوة . فَلا يُخْرِجَنَّكُما ، بوسوسته مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ( 117 ) . أي فتتعب ففي طلب القوت فذلك على الرجل دون المرأة . روي أنه هبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه . إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها أي الجنة ، وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا ، أي لا تعطش فِيها وَلا تَضْحى ( 119 ) ، أي لا يصيبك حرّ الشمس ، أو تعرق . فالجوع : ذل الباطن . والعري : ذلّ الظاهر . والظمأ : حرّ الباطن . والضحو : حرّ الظاهر . فنفى اللّه عن ساكن الجنة ذل الظاهر والباطن ، وحرّ الظاهر والباطن . وقرأ نافع ، وأبو بكر ، و « إنك » بكسر الهمزة استئناف أو عطف على « أن » الأولى . والباقون بفتحها عطف على « أن لا تجوع » . فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ ، أي أنهى إليه وسوسته ، ثم بيّن اللّه صورة الوسوسة بقوله تعالى : قالَ ؟ ؟ ؟ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ( 120 ) . أي لا يزول ولا يختل ، أي هل أدلك على الشجرة التي من أكل منها خلّد ، ولا يموت أصلا ودام ملكه ، إما على حاله ، أو على أن يصير ملكا . فَأَكَلا مِنْها ، أي الشجرة

--> ( 1 ) رواه الترمذي في كتاب الدعوات ، باب : 128 ، وابن ماجة في المقدّمة ، باب : الانتفاع بالعلم والعمل به .